السيد كمال الحيدري
115
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
ضاهاها ، وإمّا أن يكون الخير فيه غالباً على الشرّ كغيرهم من الجنّ والإنس . فيكون الخيرات داخلة في قدرة الله بالأصالة ، والشرور اللازمة للخيرات داخلة فيها بالتبع . ومن هنا قيل : إنّ الله يريد الكفر والمعاصي الصادرة عن العباد لكن لا يرضى بها ، على قياس من لسعت الحيّة إصبعه وكانت سلامته موقوفة على قطع إصبعه ، فإنّه يختار قطعها بإرادته لكن بتبعية إرادة السلامة ، ولولاها لم يرد القطع أصلًا ، فيقال هو يريد السلامة ويرضى بها ويريد القطع ولا يرضى به إشارة إلى الفرق الدقيق . وأنت تعلم أنّ هذا المذهب أحسن من الأوّلين وأسلم من الآفات ، وأصحّ عند ذوى البصائر النافذة في حقائق المعارف ، فإنّه متوسّط بين الجبر والتفويض وخير الأمور أوسطها » « 1 » . كما أشار الطباطبائي ( ت : 1403 ه ) إلى القراءة ذاتها في أكثر من موضع ، منها « نهاية الحكمة » حيث كتب : « فما من شئ ممكن موجود سوى الواجب بالذات حتّى الأفعال الاختيارية إلّا وهو فعل الواجب بالذات معلول له بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط » « 2 » ومثال الأخير هو الفعل الإنسانى . أمّا في تعقيبه على الشيرازي في « الحكمة المتعالية » فقد أشار الطباطبائي إلى وجود قراءتين لنظرية الأمر بين الأمرين أو مذهبين بحسب تعبيره ذكر أنّهما غير متدافعين ، وقد أوضح المذهب الأوّل والمرتكز النظري الذي يقوم عليه ، بقوله : « إنّ في المذهب السابق سلوكاً من طريق الكثرة في الوحدة ، وفيه سلوك من طريق الوحدة في الكثرة . فعلى الأوّل ، للفعل استناد إلى فاعله القريب وإلى فاعل فاعله بواسطته ومن طريقه ، والانتساب طولىّ لا عرْضىّ ، فلا تُبطل إحدى النسبتين الأخرى ، ولا يلزم الجبر الباطل ، لانّ العلّة الأولى إنّما تريد صدور
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق ، ج 6 ، ص 372 371 . ( 2 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، ص 301 .